أبي حيان الأندلسي
155
البحر المحيط في التفسير
الحياة ، لا لمطلق الحياة ، وإذا كان على حذف مضاف أي : ولكم في شرع القصاص ، اتضح كون شرع القصاص سببا للحياة . وأما في الوجه الثاني : فظاهر لعذوبة الألفاظ وحسن التركيب وعدم الاحتياج إلى تقدير الحذف ، لأن في كلام العرب كما قلناه تكرارا للفظ ، والحذف إذا نفي ، أو أكف ، أو أوفي ، هو افعل تفضيل ، فلا بد من تقدير المفضل عليه أنفى للقتل من ترك القتل . وأما في الوجه الثالث : فالقصاص أعم من القتل ، لأن القصاص يكون في نفس وفي غير نفس ، والقتل لا يكون إلّا في النفس ، فالآية أعم وأنفع في تحصيل الحياة . وأما في الوجه الرابع : فلأن القصاص مشعر بالاستحقاق ، فترتب على مشروعيته وجود الحياة . ثم الآية المكرمة فيها مقابلة القصاص بالحياة فهو من مقابلة الشيء بضده ، وهو نوع من البيان يسمى الطباق ، وهو شبه قوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا « 1 » وهذه الجملة مبتدأ وخبر ، وفي القصاص : متعلق بما تعلق به قوله : لكم ، وهو في موضع الخبر ، وتقديم هذا الخبر مسوّغ لجواز الابتداء بالنكرة ، وتفسير المعنى : أنه يكون لكم في القصاص حياة ، ونبه بالنداء نداء ذوي العقول والبصائر على المصلحة العامة ، وهي مشروعية القصاص ، إذ لا يعرف كنه محصولها إلّا أولو الألباب القائلون لامتثال أوامر اللّه واجتناب نواهيه ، وهم الذين خصهم اللّه بالخطاب ، إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ * « 2 » لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * « 3 » لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ « 4 » لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى * « 5 » لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ « 6 » وذوو الألباب هم الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف ، إذ من لا عقل له لا يحصل له الخوف ، فلهذا خص به ذوي الألباب . لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي : القصاص ، فتكفون عن القتل وتتقون القتل حذرا من القصاص أو الانهماك في القتل ، أو تتقون اللّه باجتناب معاصيه ، أو تعملون عمل أهل
--> ( 1 ) سورة النجم : 53 / 44 . ( 2 ) سورة الرعد : 13 / 19 ، وسورة الزمر : 39 / 9 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 164 ، وسورة الرعد : 13 / 4 ؛ وسورة النحل : 16 / 12 . ( 4 ) سورة آل عمران : 3 / 190 ، وسورة الروم : 30 / 24 . ( 5 ) سورة طه : 20 / 54 و 128 . ( 6 ) سورة ق : 50 / 37 .